العيني

83

عمدة القاري

في ذكر متون الأحاديث ، بل يريد الإفادة أعم من ذلك ، ولهذا يذكر آثار الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، وفتاوى السلف وأقوال العلماء ، ومعاني اللغات وغيرها ، فقصد ههنا بيان التوضيء بالماء الذي مسته النار وتسخن بها بلا كراهة دفعاً لما قال مجاهد . قلت : هذا أعجب من الأول وأغرب ، وكيف يطابق هذا الكلام وقد وضع أبواباً مترجمة ، ولا بد من رعاية تطابق بين تلك الأبواب وبين الآثار التي يذكرها فيها ، وإلاَّ يعد من التخابيط ؟ وكونه يذكر فتاوى السلف وأقوال العلماء ومعاني اللغات لا يدل على ترك المناسبات والمطابقات ، وهذه الأشياء أيضاً إذا ذكرت بلا مناسبة يكون الترتيب مخبطاً ، فلو ذكر شخص مسألة في الطلاق مثلاً في كتاب الطهارة ، أو مسألة من كتاب الطهارة في كتاب العتاق مثلاً ، نسب إليه التخبيط . ثم هذا الأثر الأول وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد صحيح بلفظ : إن عمر ، رضي الله عنه ، كان يتوضأ بالحميم ثم يغتسل منه ، ورواه أبي شيبة والدارقطني بلفظ : ( كان يسخن له ماء في حميم ثم يغتسل منه ) . قال الدارقطني : إسناده صحيح . قوله : ( بالحميم ) ، بفتح الحاء المهملة : وهو الماء المسخن . وقال ابن بطال : قال الطبري : هو الماء السخين ، فعيل بمعنى مفعول . ومنه سمي الحمام حماماً لإسخانه من دخله ، والمحموم محموماً لسخونة جسده . وقال ابن المنذر : أجمع أهل الحجاز وأهل العراق جميعاً على الوضوء بالماء السخن غير مجاهد فإنه كرهه . رواه عنه ليث بن أبي سليم . وذكر الرافعي في كتابه : إن الصحابة تطهروا بالماء المسخن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم هذا الخبر . وقال المحب الطبري : لم أره في غير الرافعي ! قلت : قد وقع ذلك لبعض الصحابة فيما رواه الطبراني في ( الكبير ) والحسن بن سفيان في ( مسنده ) ؛ وأبو نعيم في ( المعرفة ) ، والمشهور من طريق الأسلع بن شريك ، قال : كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة في ليلة باردة ، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب ، وخشيت أن اغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض ، فأمرت رجلاً من الأنصار يرحلها ، ووضعت أحجاراً فاسخنت بها ماء فاغتسلت ، ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) * ( النساء : 43 ) إلى * ( غفورا ) * ( النساء : 43 ) وفي سنده : الهيثم بن زريق الراوي له عن أبيه عن الأسلع مجهولان ، والعلاء بن الفضل راويه عن الهيثم وفيه ضعف ، وقد قيل : إنه تفرد به . وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كما ذكره البخاري ، ومنهم سلمة بن الأكوع أنه كان يسخن الماء يتوضأ به ، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ، ومنهم ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أنه قال : ( إنا نتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار ) ، رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن محمد بن بشر عن محمد بن عمرو : حدثنا سملة ، قال : قال ابن عباس . ومنهم ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع : أن ابن عمر كان يتوضأ بالحميم . قوله : ( ومن بيت نصرانية ) وهو الأثر الثاني ، وهو عطف على قوله : ( بالحميم ) أي : وتوضأ عمر من بيت نصرانية . ووقع في رواية كريمة بحذف الواو من قوله : ( ومن بيت ) ، وهذا غير صحيح لأنهما أثران مستقلان ، فالأول ذكرناه ، والثاني الذي علقه البخاري ووصله الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه : ( أن عمر توضأ من ماء نصرانية في جر نصرانية ) ، وهذا لفظ الشافعي . وقال الحافظ أبو بكر الحازمي : رواه خلاد بن أسلم عن سفيان بسنده فقال : ( ماء نصراني ) ، بالتذكير . والمحفوظ ما رواه الشافعي : ( نصرانية ) ، بالتأنيث . وفي ( الام ) للشافعي : من جرة نصرانية ، بالهاء في آخرها . وفي ( المهذب ) لأبي إسحاق : جر نصراني ، وقال : صحيح . وذكر ابن فارس في ( حلية العلماء ) : هذا سلاخة عرقوب البعير يجعل وعاء للماء ، فإن قلت : ما وجه تطابق هذا الأثر للترجمة ؟ قلت : قال الكرماني : بناء على حذف واو العطف من قوله : ( ومن بيت نصرانية ) ، ومعتقداً أنه أثر واحد لما كان هذا الأخير الذي هو مناسب لترجمة الباب من فعل عمر ، رضي الله عنه . ذكر الأمر الأول أيضاً ، وإن لم يكن مناسباً لها ، لاشتراكهما في كونهما من فعله تكثيراً للفائدة واختصاراً في الكتاب . ويحتمل أن يكون هذا قصة واحدة ، أي : توضأ من بيت النصرانية بالماء الحميم ، ويكون المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة النصرانية ، وذكر الحميم إنما هو لبيان الواقع ، فتكون مناسبته للترجمة ظاهرة قلت : هذا منه لعدم اطلاعه في كتب القوم ، فظن أنه أثر واحد ، وقد عرفت أنهما أثران مستقلان . ثم ادعى أن الأمر الأخير مناسب للترجمة ، فهيهات أن يكون مناسباً ، لأن الباب في وضوء الرجل مع امرأته ، وفضل وضوء المرأة ؟ فأي واحد من هذين مناسب لهذا ؟ وأي واحد من هذين يدل على ذلك ؟ أما توضؤ عمر بالحميم فلا يدل على شيء من ذلك ظاهراً ، وأما توضؤ عمر